من هو ولي الامر منكم

المنشور رقم (32) من هـو ولـي الأمـر منكم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقـدمة:

[1]   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجز وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

تعيش الأمة الآن أحرج فترة من الاختلاف والفرقة- اختلافاً بين السنة والشيعة واختلافاً بين الشيعة أنفسهم واختلافاً وفرقة بين السنة وصل في أحايين كثيرة إلي حرب أهلية في العراق وفي لبنان وأفغانستان والصومال والسودان والجزائر وتفاصيل ذلك تضيق بها المقدمة والناس في غنى عن خطها في السطور فهم يعيشونها في حياتهم اليومية وواقعهم المنظور فكل الذي يحتاجونه هو تنبيههم إلى المخرج من دوامة هذا الوضع المزري الذي لا يعرف فيه المقتول لم قتل.

لقد تجلي نص الحديث في واقع الحياة وتحققت النبوة بحدوث الاختلاف ورأيناه وهنا يوجب علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم  التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وإن التصديق بنبوته يوجب وجود المهدي بين ظهراني الناس وكل من اعتقد بعدم وجوده الآن دليل علي تكذيب مبطن بنبوته صلى الله عليه وسلم  .فهو يعتقد بصحة الحديث ولكنه يكذب بكل من قال أنه المهدي أو المجدد الوارد ذكره في السنة وهو تشكيك في تصديق الواقع لأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهذا يوحي بنفي نبوءته.

فالعلماء كذبوا بكل المهديين الذين تعاقبوا في القرون السابقة رغم أن حديث المجدد صريح وصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

[2]        (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها( رواه أبو داود.

فمعرفة المهدي مطلوبة لذاته ومبايعته وعدم معرفته تدفع بالأمة إلى مبايعة غيره من أدعياء الإمامة من الملوك والرؤساء وزعماء الطوائف وأئمة الطرق الصوفية وزعماء الجماعات الإسلامية.

فكل من هؤلاء يدعي الإمامة لنفسه أو يدعيها له أنصاره كما وصفهم عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} (23) سورة النجم. والمقصود من كل ذلك تشخيص شخص بذاته هو المقصود بالإمامة وصاحب الخلافة على منهاج النبوءة قال عز وجل: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } (69) سورة المؤمنون.

وقد وضَح الحق عز وجل كيفية معرفته قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (59) سورة النساء. أي إذا تنازع الأئمة في مسألة الإمامة أو نازع الناس شخص أدعى أنه الإمام فما عليه وعليهم إلاَ الرجوع إلى الكتاب والسنة (فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) ولا تجادلوه خارج النص ومن فعل ذلك فقد اتخذ إلهه هواه فلا حجه للمهدي عليه وإنما أمره إلى الله قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} (43) سورة الفرقان. وقال عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (23) سورة الجاثية.

إن العمل وفق هذا النص هو وحده الذي يرشدنا إلى شخص ولي الأمر الواجب إتباعه شرعاً وإنه الآن موجود بعينه ويدعو الناس لإتباعه تحقيقاً لنبوءة صلى الله عليه وسلم  .

الفصل الأول

مهدي آل البيت ما هو إلاَ عيسى ابن مريم

جاء في كتاب المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة للدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي حديث رقم (20)

[3]      عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم   قال:

(لو لم يبق من الدهر إلا يوم، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا( أخرجه أبو داوود (4/107) مسند أحمد(1/99) بتحقيق أحمد شاكر (2/117) ابن أبي شيبة (مصنف أبن شيبة 321/ب) وقال الألباني صحيح في الجامع الصغير (5/71) رقم (5181).

أقول: الحديث صحيح وصريح في نسب هذا الرجل لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم   وصريح في صفتين متلازمتين الأولى: أن يملأها عدلاً والثانية: بعد أن ملئت جوراً ولما كانت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم   الصحيحة لا يعارض بعضها بعضاً بل يشرح بعضها بعضاً فإن دوري أن أضع الأحاديث جنباً إلى جنب لتفسر وتفصل لنا شأن المهدي بطريقة تزيل لنا الإلباس والاختلاف حول شخصيته وهويته ولذلك أقتصر في هذا الفصل على الأحاديث الصحيحة فقط ومعلوم أن هنالك أكثر من مهدي ولكن الحديث هنا عن واحد منهم يتميز عن بقيتهم بصفتين لا يشتركون فيهما معه (أن يملأها عدلاً كما ملئت جوراً) وكخطوة في طريق التوضيح أورد ما ذكره ابن كثير في كتابه البداية والنهاية ومعه بداية النهاية طبعة بيروت لبنان 1998م صفحة 105: قال عبد الله بن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول:

[4]  ) سيخرج ناس من أمتي من قبل المشرق يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج منهم قرن قطع حتى عد زيادة علي عشر مرات كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجال في بقيتهم(. رواه الإمام أحمد.

أقول: في اعتقاد الأمة أن الذي يخرج الدجال في زمنه هو مهدي آل البيت الذي يملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً. وهذا الاعتقاد باطل لأنه يخالف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم   الصحيح والصريح في هذا الحديث الذي يعمل مسحاً كاملاً للقرون التي تسبق الدجال وتشمل زمن المهدي والموصوف بـ(حتى يخرج الدجال في بقيتهم) بأن المهدي وأصحابه قبل أن يصلحه الله في خاصة نفسه دون أصحابه وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم  (يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم) ولكن الله يصلح المهدي في خاصة نفسه دون أتباعه ذكر البستوي في نفس المصدر: المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة حديث رقم (1)

[5]      عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

(المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة) أخرجه ابن ماجة (1) قال ابن كثير: أي يتوب عليه ويفقه ويلهمه ويرشده بعد أن لم يكن كذلك. الفتن والملاحم (1/31) (2) سنن ابن ماجة (2/1367) حديث رقم (4085) وقال الألباني صحيح (صحيح الجامع الصغير)(6/22) حديث رقم (6611) النتيجة: إسناده حسن.

الصلاح خاص بالمهدي في خاصة نفسه وليس أتباعه ورجال دولته ووزرائه الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال:

[6]  يكون قبل خروج المسيح الدجال سنوات خدعة يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويؤمن فيها الخائن ، ويخون فيها الأمين وتتكلم الرويبضه الوضيع من الناس( أخرجه ابن وهب صحيح صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1887 ،2253) رواه نعيم في الفتن فصل (58- ما يقدم إلى  الناس في خروج الدجال).

فالرسول صلى الله عليه وسلم  يصف أن دولة المهدي الذي يسبق الدجال دولة فساد في الأرض فهو ليس الذي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً لأن دولته هي امتداد لقرون الظلم والجور الذي يمهد لخروج الدجال كما صرّح الرسول صلى الله عليه وسلم  وإنما صلاحه في خاصة نفسه في ليلة.

ويزداد أمر الأمة فساداً بخروج الدجال ولا يعم الأرض العدل بعد أن ملئت جوراً إلاّ بقتل الدجال ولا يفعل ذلك إلاّ عيسى ابن مريم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

[7]  ) العرب يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس وإما مهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عيسى ابن مريم الصبح فيرجع ذلك الإمام يَنٌكص، يمشي القَهٌقرَي ليقُدّم عيسى يصلي فيضع عيسى عليه السلام يده بين كَتِفَيه ثم يقول له: تقدَّم فصلِّ فإنها لك أقيمت فيصلي بهم إمامهم فإذا انصرف قال عيسي عليه السلام: افتحوا الباب فيفتح ووراءه الدجال ومعه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلي وساج فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هارباً ويقول عيسي: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلاّ أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلاّ الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق- إلاّ قال: يا عبد الله هذا يهودي فتعال أقتله. فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلاّ الله وتضع الحرب أوزارها وتَسٌلُبُ قريش ملكها) رواه ابن ماجة التصريح حديث رقم (13).

للحديث أكثر من دلالة منها: أن حصار اليهود الكائن الآن لبيت المقدس دلالة على أنهم تحت قيادة وحماية الدجال، وإن جهل عامة الناس وجود هذا الدجال لأن معرفة الدجال تصعب على العامة لأن أمره من المتشابهات بقول صريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم   قال:

[8]  (إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت ألاّ تعقلوا) صحيح صححه الألباني في صحيح الجامع (2459) رواه نعيم ابن حماد في الفتن (فصل 58- ما يقدم إلى الناس في خروج الدجال).

والمهم هو أن حصار اليهود الحالي لبيت المقدس لا يفكه إلاّ المسيح ابن مريم والأهم هو أن عيسى ابن مريم بنص صريح هو الذي يملأ الدنيا عدلاً بنص الحديث (فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً) بعد أن ملئت جوراً في عهد الدجال قبله.

فلو قلتم من باب الجدل أن مهدي آل البيت يأتي بعد عيسى ابن مريم فإن ذلك يعني أن عيسى ابن مريم هو الذي يملأ الدنيا جوراً وهذا يكذبه الحديث (حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً). فلم يكن بد من أن يكون عيسى ابن مريم هو مهدي آل البيت نفسه وهذا يؤكده الحديث عن ملك عيسى ابن مريم (وتَسٌلُبُ قريش ملكها) بنص مبين أن ملك عيسى هو الذي يعيد لقريش ملكها وهذا آكد دليل على إن عيسى من قريش بصورة عامة وبصورة خاصة من آل البيت.

ليس هذا من بنات أفكاري وإنما هو بيان من الرسول صلى الله عليه وسلم   لأمته في حقيقة نزول المسيح ابن مريم بنص قوله عز وجل: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (44) سورة النحل.

التشديد وتوجيه الأنظار هنا إلى معنى (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فعيسى لا يكون من آل البيت من قريش إلاّ إذا ولد فيهم. وفي زمنه تصلح الأمة في دينها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

[9]  (ليدركن المسيح ابن مريم رجال من أمتي مثلكم أو خيرهم مثلكم أو أخير) رواه نعيم بن حماد في الفتن رقم (1132) أخرجه ابن أبي شيبة (4/206) وحسنه الحافظ في الفتح (7/6).

الفصل الثاني

 

﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾

 

أورد الدكتور محمد خليل هراس في تأليفه (فصل المقال في نزول عيسى صلى الله عليه وسلم   وقتله الدجال) الطبعة الثانية 1994م دار الجيل بيروت صفحة (19 -20) تحت عنوان: الآيات في نزول عيسى عليه السلام:

الآية الأولى:

قال تعالى في سورة آل عمران في بشارة مريم بعيسى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ} (46) سورة آل عمران وقال جل شأنه في سورة المائدة مخاطباً عيسى:  {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً} (110) سورة المائدة.

روى ابن جرير (جامع البيان 6/420) عند تفسير الآية الأولى قال: حدتني يونس أخبرنا ابن وهب قال سمعته- يعني ابن زيد- يقول في قوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ} (46) سورة آل عمران قال: قد كلمهم عيسى في المهد وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذ كهل.

وقال ابن جرير (جامع البيان 6/457) أيضاً: حدثني يونس، أخبرنا ابن دهب، قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (55) سورة آل عمران. قال: متوفيك قابضك ، قال: متوفيك ورافعك واحد، قال: ولم يمت بعد حتى يقتل الدجال وسيموت وتلا قول الله عز وجل: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ} (46) سورة آل عمران قال: رفعه الله قبل أن يكون كهلاً، قال: وينزل كهلاً.

وقال الحسين بن الفضل البجلى: إن المراد بقوله (وَكَهْلاً) أن يكون كهلاً بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان ويكلم الناس ويقتل الدجال قال الحسين بن الفضل: وفي هذه الآية نص في أنه عليه الصلاة والسلام سينزل إلى الأرض.

وقال ثعلب (هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن يسار الشيباني إمام الكوفيين في النحو واللغة ولد سنة مائتين) في قوله عز وجل: (وَكَهْلاً): ينزل عيسى إلى الأرض كهلاً.

قال الدكتور محمد خليل هراس: وهذا الذي نقلناه عن ابن جرير هو قول عامة أهل التفسير (راجع ابن كثير(1/364) روح المعاني (4/179) والكشاف للزمخشري (1/192) زاد المسير (1/369) أنوار التنزيل (ص 75)) أ هـ.

أقول: إذاً عيسى ابن مريم ينزل في الشام (المنارة البيضاء – عقبة أفيق – جبل الدخان - القدس) في آخر الزمان وهو يومئذ كهل.

ولمعرفة سن الكهولة لا بد من مراجعة علماء اللغة العربية المرجع الأول لتفسير القرآن كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (4) سورة إبراهيم. أي بيان الشرع يعرف بلغة تنزيل الكتاب فما هي سن الكهولة؟

للإجابة على هذا السؤال أورد ما ذكره الدكتور مصطفي عبده قال:

(فقد استخلف الإنسان على الأرض ليعمر الأرض بالإبداع والعمل الصالح ولكل فرد في الأمة له دوره الذي يؤديه على حسب مؤهلاتها وخبراتها ومقدراته العلمية والعملية ومع ما يؤديه من أداء حضاري على حسب سنين عمره)

[1]        الطفولة 7سنوات / من الولادة إلى 7سنوات- براءة وتقليد وإتباع.

[2]        الصبا 7سنوات / من سن 7 إلى 14سنة – التعليم والتربية.

[3]        المراهقة 7سنوات / من سن 14 إلى 21 سنة – الانطلاقة والتكليف.

[4]        الشباب 21سنة / من سن 21 إلى 42سنة – التألق والتفاعل.

[5]        الكهولة 21سنة / من سن 42 إلى 63سنة – الرجولة والمسؤولية.

[6]        الشيخوخة 21سنة / من سن 63 إلى 84سنة – الحكمة والدراية.

[7]        الهرم: من سن 84(العمر الافتراضي)- السكون والسكينة.

المصدر: صحيفة الصحافة عدد الاثنين 19/ فبراير 2007م العدد (4915).

أقول: نحن الآن في عام 2007م أي تجاوز عدد سنين ميلاد عيسى الأول حصر اللغة العربية، إذاً ليس ميلاده الأول هو المراد في نزوله آخر الزمان وإن قلتم إن الله جمدّ عمره عند رفعه أقول هذا مخالف لقوله عز وجل: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ} (68) سورة يــس. وإن قلتم إن الله قادر على ذلك أقول ولكن لا يفعل لقوله عز وجل: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} (29) سورة ق.

وهذا هو دليل الميلاد الثاني لعيسى ابن مريم من القرآن ولكنه سينزل في الشام (كَهْلاً) كما قال العلماء وفيه دليل أن ميلاده لا يكون في الشام وإنما يكون في المغرب ويجيء إلى الشام وينزل فيها كهلاً.

ودليل مجيئه من المغرب الحديث الصحيح الذي رواه أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  :  

[10] (يجئ عيسي بن مريم  عليه السلام من قبل المغرب مصدقا بمحمد وعلي ملته فيقتل الدجال ثم إنما هو قيام الساعة).

والميلاد الثاني لعيسى يتطلب فناء جسده بالكلية وهو موضوع الفصل القادم.

 

الفصل الثالث

﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾

 

قال عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ*وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} (7 -8) سورة الأنبياء.

الخطاب موجه للرسول صلى الله عليه وسلم  متحدثاً حديثاً شاملاً عن الأنبياء دون استثناء مع تقييد الزمن بـ(قَبْلَكَ) بما فيهم عيسى ابن مريم وقال: (وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) فالآية بينة في دلالتها ومحكمة في حكمها على عدم بقاء عيسى ابن مريم في فترة ما بعد رفعه في بني إسرائيل وقبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم  بروحه وجسده بدلالة (قَبْلَكَ – جَسَدًا - خَالِدِينَ) إن جملة (وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) تنفي الخلود في الماضي على جنس الأنبياء دون استثناء لعيسى ابن مريم قبل بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام ولم تتعلق بالمستقبل.

فالآيتان محكمتان في دلالتهما على فناء جسد عيسى فكانت وفاته كوفاتهم سواءاً بسواء ولا يتميز عنهم بأي صفة استثنائية بخلاف عودته المقدرة سلفاً فهو الوحيد الذي يعود بميلاد جديد في هذه الأمة وهي داخلة في قدرته تعالى سبق بها قوله ووعده.

وأما قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا*بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } (157 -158) سورة النساء.

الآية (157) صريحة في أن اليهود لم يقتلوا المسيح والآية (158) ثبتت رفعه وهذا لا يعني أنه بقى حياً بروحه وجسده فآية آل عمران ثبتت وفاته قبل رفعه  حسب ترتيب العطف وإن كان الواو لا يعبر دائماً على الترتيب قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (55) سورة آل عمران.

ومن سياق آيتي النساء وآل عمران حدث الرفع على مرحلتين مرحلة عند محاولة القتل حياً أولاً ورفع بعد أن توفاه الله ثانياً. ونفرد الفصل القادم لمعرفة المراد من معنى وفاته.

الفصل الرابع

﴿مُتَوَفِّيكَ﴾

 

قال الدكتور محمد خليل هراس في فصل المقال: صفحة19 وقال ابن جرير (جامع البيان 6/457) أيضاً: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (55) سورة آل عمران قال: متوفيك قابضك ورافعك واحد قال: ولم يمت بعد حتى يقتل الدجال وسيموت وتلا قوله عز وجل: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً} (46) سورة آل عمران قال:رفعه الله قبل أن يكون كهلاً قال: وينزل كهلاً.

وقال الدكتور هراس في نفس المصدر صفحة 8-9 تحت عنوان: الآيات في رفع عيسى حياً: الآية الأولى: قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ما ملخصه: أختلف المفسرون في قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر وتقديره: إِنِّي َرَافِعُكَ إِلَيَّ ومُتَوَفِّيكَ يعني بعد ذلك.

وقال علي ابن أبي طلحة: عن ابن عباس: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ: أي مميتك.

وقال محمد ابن اسحق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه قال: توفاه ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه إليه (وقد ضعف الشوكاني هذا الأثر في فتح القدير) (1/345) قال ابن اسحق: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات ثم أحياه.

قال اسحق بن بشر: عن إدريس، عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه، ثم رفعه.

قال مطر الورَاق: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ من الدنيا وليس بوفاة موت. وكذلك قال ابن جرير: توفيه هو رفعه.

وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هنا النوم ( قاله الشوكاني في فتح القدير) (1/344)) كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ} (60) سورة الأنعام وقال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} (42) سورة الزمر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم   إذا قام من النوم قال:

[11] (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) (جزء من حديث حذيفة رواه البخاري في كتاب الدعوات باب ماذا يقول: إذا أصبح ج 6312 ورواه البخاري أيضاً في نفس المكان مرفوعاً).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، حدثنا الربيع بن أنس، عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) يعني وفاة المنام، رفعه إليه في منامه.

قال الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لليهود:

[12] (إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة) رواه ابن أبي حاتم كما نقله ابن كثير في التفسير (1/366) والحديث مرسل. أهـ

أقول: لقد اختلف العلماء في معنى وفاة عيسى بين الموت والنوم وعلى قاعدة { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} (59) سورة النساء وبالرجوع إلى الآية {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (42) سورة الزمر فالقرآن صريح في التفريق بين الوفاتين. وفاة الموت يقبضها ووفاه النوم يرسلها وقد ذكر ابن جرير في شرحه لوفاة عيسى في قوله عز وجل: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (55) سورة آل عمران قال: متوفيك: قابضك.

والقبض ضده في اللغة الإرسال فتكون وفاة عيسى وفاة قبض وليست إرسالاً أي عكس فعل وفاة النوم والقبض والإمساك بمعنى واحد في لغة القرآن فتكون اللغة العربية قد حسمت الجدل حول وفاة عيسى ابن مريم في أنها وفاة قبض ومسك أي وفاة موت وليست وفاة إرسال وإطلاق أي ليست وفاة نوم.

فيكون القرآن قد بين وفاة عيسى ابن مريم عند رفعه بأنها وفاة موت ومن خالف ذلك وأصر إلى أن وفاة عيسى وفاة نوم فقد أضله الله على علم بالنص وعلم باللغة وليس عن جهل بهما وختم الله على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة عقاباً له لأنه اتخذ إلهه هواه فهو المعني بقوله عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (23) سورة الجاثية وذلك لأنه لا يحب أن تكون وفاته وفاة موت بل يريدها أن تكون وفاة نوم ولما خالف حكم القرآن هواه أصرَ إلى اعتقاده فاتخذ إلهه هواه لطاعته العمياء لهوى نفسه ولم ينزل عند حكم الله ويتخذه إلاهاً نزولاً عند قوله عز وجل: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (65) سورة النساء.

 

الفصل الخامس

﴿َرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾

 

التقاء الرسول صلى الله عليه وسلم   ليلة الإسراء والمعراج بعيسى ابن مريم في السماء رسخ للناس الاعتقاد ببقائه حياً بروحه وجسده في السماء على هيئته وحاله في زمن رسالته في الأرض دون الانتباه إلى أن يحيى الذي وجده معه في نفس السماء قتل ودفن في الأرض وكان هذا كافياً لعدم ربط رفعه في القرآن بوجوده في السماء مع سائر الأنبياء الذين توفوا وفاة موت وقبروا في الأرض وقبور بعضهم مشهورة ومعروفه إلى اليوم ومنهم إبراهيم عليه السلام. وفي هذا دليل على أن وجود عيسى في السماء كان كسائر الأنبياء ولا يعتبر دليلاً على بقائه حياً بروحه وجسده.

وأحاديث الإسراء نفسها والآثار منها ما يثبت أن صلاة الأنبياء ومنهم عيسى ابن مريم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم  في المسجد الأقصى كانت قبل العروج وفي هذا برهان إن رفعه إلى الله ليس المقصود به ذلك المقام الذي وجده فيه ليلة الإسراء.

جاء في تفسير ابن كثير (3/17) لآية الإسراء:

·   (وقال البيهقي حدثنا أحمد بن الحسن القاضي حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم   حين انتهى إلى بيت المقدس لقى فيه إبراهيم وموسى وعيسى) وسياق الحديث أن ذلك قبل العروج إلى السماء.

وفي نفس المصدر صفحة 31

[13] وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن أم هاني قالت بات رسول الله صلى الله عليه وسلم  ليله أسري به في بيتي ففقدته من الليل فأمتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (إن جبريل عليه السلام أتاني فأخذ بيدي فأخرجني فإذا على الباب دابة دون البغل وفوق الحمار فحملني عليها ثم انطلق حتى انتهى بي إلى بيت المقدس فأراني إبراهيم عليه السلام يشبه خلقه خلقي ويشبه خلقي خلقه وأراني موسى آدم طويلاً سبط الشعر شبهته برجال أزد شنوءة، وأراني عيسى ابن مريم ربعه أبيض يضرب إلى الحمرة شبهته بعروة بن مسعود الثقفي)

فالحديث لم يذكر المعراج وفيه دلاله على لقائه بعيسى قبل المعراج.

[14]   قال الإمام أحمد حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه قال

حدثنا ابن عباس قال: ليله أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم  دخل الجنة فسمع في جانبها وخشاً (الصوت الخفي) فقال يا جبريل ما هذا؟ قال هذا بلال المؤذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم  حين جاء إلى الناس (قد أفلح بلال رأيت له كذا وكذا) قال فلقيه موسى عليه السلام فرحب به وقال مرحباً بالنبي الأمي، قال وهو رجل آدم طويل سبط شعره مع أذنيه أو فوقهما فقال من هذا يا جبريل؟ قال هذا موسى قال فمضى فلقيه شيخ جليل مهيب فرحب به وسلم عليه وكلهم يسلم عليه قال من هذا يا جبريل؟ قال هذا أبوك إبراهيم: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى المسجد الأقصى قام يصلي فإذا النبيون أجمعون يصلون معه. إسناده صحيح ولم يخرجوه.

هذا الحديث فيه دلاله على اجتماعه بعيسى بعد النزول من السماء وعلى كل الاحتمالات لم يكن هنالك دليل على بقاء عيسى ابن مريم في السماء بعد ليله الإسراء بعد أن ثبتت صلاته في بيت المقدس فإن كانت قبل العروج فيه دليل على عدم رفع عيسى إلى السماء بعد الوفاة والرفع في بني إسرائيل.

وإن كانت الصلاة بعد العروج فيه دليل على نزوله من السماء وليس هنالك دليل من القرآن أو السنة على عودته إلى السماء بعد ليلة الإسراء والصلاة في بيت المقدس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم  .

وخلاصة المقال في هذا الفصل فإن رفع عيسى إلى السماء الذي يعتقد فيه الناس في قوله عز وجل: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (55) سورة آل عمران وقوله تعالى: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} (158) سورة النساء قد انتهى في ليلة الإسراء وثبت نزوله إلى الأرض وبقاؤه في الأرض يجعله عرضة للموت بنص الحديث الآتي

[15] روى مسلم في صحيحه بسنده إلى ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: -قبل موته بشهر(تسألوني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسه اليوم يأتي عليها مئة سنة وهي حية يومئذ). أهـ

أقول: لقد كان الإسراء قبل الهجرة من مكة وهذا الحديث قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم  بشهر مما يؤكد موت عيسى ابن مريم إن كان باقياً بروحه وجسده في خلال تلك المئة.

الفصل السادس

﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾

أورد الدكتور محمد خليل هراس في كتابه آنف الذكر (فصل المقال) ص 21-23 قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (61) سورة الزخرف قال عبد الله الغماري في كتابه (إقامة البرهان على نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان) عند كلامه على هذه الآية: أي: وإن عيسى لعلم للساعة تعلم الساعة بنزوله فلا تشكن فيها، بهذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم  .

قال ابن حبان في صحيحه (ابن حبان 8/288): ذكر البيان بأن نزول عيسى ابن مريم من أعلام الساعة:

[16] أخبرنا محمد بن الحسن بن الخليل، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن عاصم، عن أبي رزين، عن يحي مولى ابن عفراء عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم  في قوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} (61) سورة الزخرف قال: (نزول عيسى ابن مريم من قبل يوم القيامة).

هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وعاصم من أئمة القراء المشهورين وجاء عن ابن عباس وأبي مالك والحسن ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم مثل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم  ، وآثارهم مروية في تفسير ابن جرير بأسانيد مختلفة وطرق متعددة كلها تصرح بأن المراد بالآية نزول عيسى قبل قيام الساعة.

وهذا التفسير هو المتعين الذي لا يجوز في الآية غيره والدليل عليه أمور أحدها: أنه الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم  كما تقدم. ثانيهما: أن سياق الكلام في عيسى عليه السلام، أقرأ قوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ*وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ*إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ*وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ*وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (57-61) سورة الزخرف.

فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلاَ بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل أو خبر عن الرسول تقوم به حجة كما قال ابن جرير فيما سبق.

ثالثها: أنه لو أعيد الضمير على غير عيسى كما قيل لأوجب ذلك ركَة في اللفظ تتنزه عنها بلاغة الكتاب الحكيم.

وقال ابن كثير (في تفسير القرآن العظيم 4/132): وقوله سبحانه: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} (61) سورة الزخرف تقدم تفسير ابن اسحق أن المراد من ذلك ما بعث به عيسى عليه الصلاة والسلام من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الأسقام وفيه نظر، وابعد منه ما حكاه قتادة نقلاً عن الحسن البصري وسعيد بن جبير أن الضمير في (وإنه) عائد على القرآن، بل الصحيح أنه عائد على عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن السياق في ذكره ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة كما قال تبارك وتعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} (159) سورة النساء أي قبل موت عيسى عليه السلام، ثم يوم القيامة يكون عليهم شهيداً، ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} (61) سورة الزخرف أي: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة.

وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنة أخبر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً.

أقول: يجب أن يلاحظ مخالفة ابن كثير المتوفي سنة 774هـ لشرح سعيد بن جبير والحسن البصري من التابعين من سلف الأمة الصالح وعليه فإن السنة تقر بعدم التقيد  بشرح السلف للقرآن إن كان هناك دليل. وبناء على ذلك فإن السبب الموجب لنقد ابن كثير لشرح التابعين يجوز للمتأخرين نقد ومعارضة شرح ابن كثير إذا كان هنالك دليل.

وبالعودة إلى جوهر الموضوع فإن عيسى ابن مريم علامة للساعة بنص القرآن وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  .وقد ذكرت علامات أخرى للساعة       

[17]  )  عن عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم   فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبريني عن الإسلام فقال صلى الله عليه وسلم  : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً قال: صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: صدقت قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: صدقت قال : فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتهـا : وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبث ملياً ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم) رواه مسلم

وخلاصة هذا الفصل: أن عيسى ابن مريم علامة مستقلة للساعة كما ذكر ابن كثير لأنه (عَلَم) بالفتح للساعة فلا يقيد الناس نزوله بالعلامات الأخرى وأما وجودها فهي من باب الزيادة.

ولما كان من الطبيعي أن يختلف الناس مع عيسى ويكذبوا به عند نزوله على منهاج قوله عز وجل:  {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } (69) سورة المؤمنون وهي آية خاصة بنزوله في آخر الزمان جعل الله علامة أخرى مرادفة له ودالة على زمانه كعلم للساعة وهي التطاول في البنيان آية مجسمة بينة لا تخفى على أحد فهذا التطاول في البنيان الذي نشاهده هو البرهان على أن إمام هذا الزمان وولي أمر المسلمين اليوم الواجبة مبايعته وإتباعه هو عيسى ابن مريم وأي إمام الآن غيره هو من أئمة الضلالة الذين حذر منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم   قال:

[18]   (وإني لا أخاف على أمتي إلاّ الأئمة المضلين) رواه أحمد وروى الحاكم مثله.

الفصل السابع

المسيح اسمه سليمان

قال عيسى كما يحكيه عنه ربه: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا*ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} (33-34) سورة مريم.

سليمان اسم صفة لعيسى مشتق من الآية: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ} و(سليمان) اسم للمسيح من صفة السلامة والنجاة من بعد ما أراد اليهود قتله في قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا*بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} (157-158) سورة النساء. بل أن الاسم (سليمان) له دلالة مميزة على عيسى ابن مريم في معناه أي هو الشخص الذي سلمه الله من القتل وما ذاك إلاّ عيسى ابن مريم بشاهد آيات القرآن ويلاحظ دقة التعبير في اختيار اسم (سليمان) بالتصغير بدلاً من (سلمان) لأن الله سلمه بلطف (شبه لهم). ويؤكد هذا شاهد من الكتاب وأهل الكتاب فقد جاء في اسم المسيح في الكتاب المقدس في أخبار الأيام الأول تحت عنوان: الإعداد لبناء الهيكل: (22) أخبار الأيام في كلام الله لداؤد عليه السلام:

(هو ذا يولد لك ابن يكون صاحب راحة، وأريحه من جميع أعدائه حواليه، لأن اسمه يكون سليمان فأجعل سلاماً وسكينة في إسرائيل في أيامه). أهـ

أقول: هنالك حقائق وارده في هذا السفر انتبهوا إليها:

[1]        لاحظو علاقة هذا الكلام وإعداد اليهود الحالي لبناء الهيكل طبقاً للعنوان الوارد أعلاه.

[2]        وإن حالة الحرب الكائنة الآن ستستمر لأن السلام لا يكون لبني إسرائيل إلاّ مع المسيح.

[3]   اسم المسيح يكون (سليمان) وإن الاسم مشتق من صفة السلام (فأجعل سلاماً وسكينة) وإنه مشتق من السلامة من الأعداء (وأريحه من جميع أعدائه حواليه) تماماً كما جاء في القرآن.

 واليهود على علم تام بأن هذا المسيح والذي اسمه (سليمان) هو نفسه مهدي آل البيت عند المسلمين: فقد أورد محمد عيسى داود في كتابه (المهدي المنتظر على الأبواب) في الفصل (14).

(قال كاهن اليهود الأعظم في بلاد الأسبان واسمه (حرب الرياس): إن شكل المهدي الذي يدعيه المسلمون شكل يهودي لا عربي، والدليل على ذلك هذا أنهم يقولون فيما يقولون عن وصفه (أنه عربي الوجه يهودي الجسم) وهذا لا شرح له إلاّ أنهم يلصغون بأنفسهم ما ليس لهم، يسرقون منا لأنفسهم بطل اليهود المنتظر... أن مهدي آخر الزمان هو مسيحنا المنتظر.. ووجهته يهودية ويبدو في العمر شاباً وسط أربعينية وخمسينية ... والسن الحقيقي له أكبر من السبعين إن لم يكن اكبر من المائة .. بل أكبر من الآلاف .. إنه رسول السلم... إنه المسيح الحقيقي لمن ينتظرون المسيح). أهـ

أقول: هذا الكلام غاية في الدقة والصحة في أن مهدي آل البيت النبوي الذي ينتظره المسلمون هو ذات المسيح المنتظر لا غير كما قال حرب الرياس الكاهن اليهودي وكلام هذا الكاهن يعتمد شرعاً عند المسلمين بنص قوله عز وجل: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ*بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} (43-44) سورة النحل وقوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} (94) سورة يونس

والخلاصة: المسيح عيسى ابن مريم عندما يعود اسمه يكون (سليمان) واليهود دون أدنى شك هم أكثر دراية بمهدي آل البيت المنتظر من المسلمين وهو سبب توجيه القرآن للمسلمين بالرجوع إليهم في الأشياء التي قد يصعب عليهم استنباطها من القرآن والسنة في المسائل المستقبلية.

الخـلاصة الخـاتمة:

قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (59) سورة النساء القرآن مثاني: (متشابهة ومحكم)، (مجمل ومفصل) فهذه الآية من مجمل القرآن وأنها تعني عدة معانٍ كلها صحيحة ومرادة فكل محترف خبير في حرفته فهو ولي أمر الأمة في مجاله فالطبيب ولي أمر الأمة في مجاله فطاعته توفر عافية البدن وطاعة المعماري راحة في السكن وتوجيهات المهندس تؤمن سلامة السفر على المركبات وإرشاد الخبير الزراعي توفر جودة الإنتاج ووفرة المحصول وبإتباع ولي الأمر يسود العدل ويرفع الظلم وتختل موازين الحياة إذا أخلَّ الناس بهذا الشرط.

والأمة حريصة على هذه الشروط باستثناء شرط إتباع ولي الأمر وذلك بسبب تنافس أدعياء الإمامة على الجاه والمطامع الدنيوية الفانية فلم أُفاجأ برفض العلماء لدعوتي بعد أن استيقنتها أنفسهم فهم أدرى الناس بصحتها لأنها أظهرت خطأهم لفهم النصوص وحملوا أخطاء السابقين عبر الأجيال والأزمان ولقنوها لأهل هذا الزمان فشق عليهم الاعتراف بالخطأ فأخذتهم العزة بالإثم على الرغم من أنه مغفور فالعودة للحق أحق من التمادي في الخطأ {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} (115) سورة النساء ولكنهم عارضوها أو تجاهلوها حتى لا تسجى بضاعتهم فتكسد بعد رواج لانتهاء صلاحية مدتها وما يقال عن العلماء يقال عن أئمة الطوائف ومشائخ الطرق وزعماء الأحزاب وحاربها الحكام زوداً عن كراسي السلطة وحفاظاً على تيجان الملك ولكن إلى متى؟ أنها السنن {كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} (44) سورة المؤمنون لقد عميت الأمة عن معرفة الحقيقة وأضلهم الله على علم فالنصوص كافية في بيانها عن صدق ما أقول ولكن حق القول من ربي فتعاموا عن النصوص واتبعوا أهواءهم قال عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (23) سورة الجاثية.

هذا التمادي بإتباع أئمة الضلالة وتجاهل نذيري وبشيري هو الذي أوصل الأمة إلى هذا الحال من الفرقة والشتات وسوء ذات البين وسلط عليهم اليهود والنصارى فأفسدوا على الناس دينهم ودنياهم وآخرتهم قال الله عز وجل: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ*أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ*وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} (69-71) سورة المؤمنون فالآيات تخاطب عودتي في هذه الأمة الكائنة الآن بين ظهراني الناس فلا تصح عقيدة المسلم إلاّ باعتقاد أن سليمان أبا القاسم موسى هو المسيح عيسى ابن مريم رسول الله في بني إسرائيل بالإنجيل لذلك جاء في وصفه{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ }  بعثه الله بذاته وروحه وجسده وبصورته بلا حلول أو تناسخ أرواح بميلاده الثاني ولا تصلح آخرتهم إلاّ بهذا الاعتقاد فالسنة لم تجرده من لقب رسول الله عند عودته

[19]  جاء في حديث نزول المسيح على المسلمين في جبل الدخان على لسان المسيح كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (فينزل عيسى ابن مريم فيقول أنا عبد الله ورسوله وروحه وكلمته عيسى ابن مريم) أحرجه معمر وابن عساكر.

ولا تصلح دنياهم إلاّ بإتباعه فليس هنالك خيار آخر أمام الأمة غير سليمان أبي القاسم موسى إمام جماعة المسلمين اليوم وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم  بإتباعه قال:     

[20]  (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قالت: فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة قال: فأعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) رواه البخاري.

وإن جماعة المسلمين هم الذين اتبعوه إلى يوم القيامة قال تعالى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (55) سورة آل عمران ومن فارق أصحاب سليمان أبي القاسم موسى في حياته وقبل مماته فقد مات ميتة جاهلية.

[21]   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

(من فارق الجماعة شبراً فمات إلاّ مات ميتة جاهلية) رواه البخاري.

وهؤلاء الجماعة الذين ورد ذكرهم بدون إمام هم أصحاب عيسى ابن مريم من بعده لأنه لا إمام بعد موته وجاء وصفهم {الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ} (55) سورة آل عمران أما في الزمن ما قبل عيسى إلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم  فلا تخلو جماعة من إمام.

أورد الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي في كتابه المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث الصحيحة في تعليقه على حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم  :

[22]  (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم) أخرجه البخاري وقال الحافظ ابن حجر: (وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأمة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة دلالة للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة (فتح الباري 6/494)). أهـ

فالجماعة المذكورة بغير إمام كما قال ابن حجر (أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة) والحجة هو الإمام المخصوص في كل زمان من عمر هذه الأمة بدءاً برسول الله صلى الله عليه وسلم  وانتهاءً بالمسيح عيسى ابن مريم وفي هذا الأثناء من لم تكن له بيعة لهذا الإمام المخصوص وليس لأئمة الضلالة المنتشرين ومات، مات ميتة جاهلية.   

[23]  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (من خلع يداً من طاعة لقى الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) رواه مسلم.

[24]  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية) رواه أحمد.

فباب الإيمان يقفل بموت عيسى قال تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} (159) سورة النساء والذين آمنوا به قبل موته هم المعنيون في قوله عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} (158) سورة الأنعام والآية المرادة من بعض الآيات هي الواردة في قوله عز وجل: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} (21) سورة مريم والدليل على أن المراد عيسى ابن مريم هو قفل باب الإيمان بعد موته قوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} (159) سورة النساء

وهو سليمان أبو القاسم موسى ومن آمن به قبل موته وكسبوا في إيمانهم خيراً بالعمل الصالح والإتباع هم المؤمنون ومن عاداهم فهم الكافرون بنص قوله تعالى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (55) سورة آل عمران.

فأصحاب المسيح بعد موته لا إمام لهم بتعين رباني وهم الوحيدون الذين خوَّل لهم الشرع اختيار ولي أمرهم بالشورى في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (38) سورة الشورى فاختيار الإمام بالشورى قاصر في هذه الآية على أصحاب المسيح بعد وفاته وقبل ذلك يكون اختيار الإمام من قبل الله تعالى جرياً على منهاج الملة الإبراهيمية قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (124) سورة البقرة فالله فاعل اختيار الإمام والإمام مفعول به بالاختيار الرباني.